الأصدقاء الأعزاء متابعي أمد للإعلام .. هناك عملية نقل من مطور لآخر ما قد يؤثر على نشر الأخبار لفترة قصيرة! ...

مذكرات نجيب محفوظ

مذكرات نجيب محفوظ

تاريخ النشر: 2026-09-06 | 14:32

 عبد الحسين شعبان
عبد الحسين شعبان

مرّت قبل أيام الذكرى العشرون (30 آب / أغسطس 2006) على رحيل الروائي المصري الكبير نجيب محفوظ، الحائز على جائزة نوبل في العام 1988. وكنت قد كتبت تغطية لبعض ردود الأفعال الثقافية العربية لهذا الحدث المهم إلى جريدة الحياة اللندنية بتلك المناسبة. ومنذ رحيله وإلى اليوم ونحن نتطلّع إلى نشر مذكراته، ويبدو أنه مثله مثل غيره من المبدعين الكبار تتنازع جهات عديدة حول إرثه، خصوصًا أنه لم ينشر مذكراته في حياته، ابتداءً من العائلة إضافة إلى عدد من المقرّبين والأصدقاء الذين يحاول كل منهم نشر ما يعرفه أو ما خصّه به نجيب محفوظ، لكن المؤكد أن المذكرات الكاملة لم تُنشر حتى الآن، وربما هي غير موجودة بالصورة النهائية التي نتصوّرها.

وحسب ظنّي أن نجيب محفوظ لم يكتب سيرته أو مسيرته بالمعنى المتعارف عليه والمألوف على صيغة مذكرات، بل بثّها كشذرات في حواراته ومقابلاته وحكاياته المتعدّدة والمتنوّعة، إضافة إلى رواياته، علمًا بأنه اعتاد على تدوين يومياته منذ ثلاثينيات القرن الماضي وحتى يوم 14 تشرين الأول / أكتوبر 1994، حيث تعرّض إلى محاولة اغتيال على يد شخص متطرّف، حاول طعنه بسكين في رقبته أمام منزله، لكنه نجا من هذه المحاولة الأثيمة. وقد أفاد هذا الإرهابي أنه يعتبر نجيب محفوظ يسخر من الذات الإلهية والأنبياء في رواية “أولاد حارتنا” التي نشرها لأول مرة في العام 1959، فيا للمفارقة، ولم يستطع الكتابة بعد محاولة اغتياله وتوفي في حي العجوزة بالجيزة عن عمر ناهز 95 عامًا.

وكنتُ قد قرأت في العام 1980 كتاب “نجيب محفوظ يتذكّر” للروائي جمال الغيطاني، وفي العام 2004 أصدر الغيطاني كتابًا بعنوان “المجالس المحفوظية“، وكلاهما جاءا على محطات مهمة من السيرة الذاتية، علمًا بأن العلاقة ابتدأت بين شيخ ومريد، ثمّ تحوّلت إلى صداقة وثيقة وزمالة طويلة الأمد، كما كنتُ قد قرأت في العام 1998 كتابًا لرجاء النقاش بعنوان “صفحات من مذكرات نجيب محفوظ وأضواء جديدة على أدبه وحياته“، وتابعت كتابين أصدرهما محمد السلماوي، الأول بعنوان “حوارات نجيب محفوظ” (2011)، والثانيفي حضرة نجيب محفوظ” (2015)، وكان قد ارتبط هو الآخر بصداقة وثيقة به، ومثّله في عدد من المحافل.

وحاول العديد من الأدباء والكتّاب وأصدقاء محفوظ تقديم صورة لسيرته وأدبه وبعض محطاته، وخصوصًا مرحلة الطفولة والشباب التي أفاض فيها، وبعض آرائه في الفن والثقافة والسياسة والمجتمع، إضافة إلى طقوس الكتابة عنده، ثم مواقعه الوظيفية في وزارة الأوقاف، وبعض خصوصياته، حيث بثّ فيها بعض لواعجه فيما أسماها “المنطقة المحرّمة”، التي احتواها كراس نشر فيه بعض القصائد.

وقد سبق للصديق جمال الغيطاني أن أكّد لي أن ما نشره عن نجيب محفوظ لا يمثّل كلّ ما يختزنه، وهو ما حصل معي فيما خصّ حواراتي مع الشاعر الكبير الجواهري، التي نشرتُ جزءًا منها في العام 1997، ونتفٍ متفرّقة خلال العقود الثلاثة المنصرمة، وما زلتُ أحتفظ بأجزاء أخرى بما فيها تسجيلات لحوارات تزيد عن 10 ساعات، على أمل أن ترى النور.

‏وقبل عدة سنوات صرّحتْ هدى نجيب محفوظ ابنته الملقبة “أم كلثوم”، أنها ستنشر يومياته وخواطره، وهي تريد تصويب ما نُشر عنه وتدقيق ما كُتَب حوله، من خلال ما خطّه يراعه، وليس عبر استذكارات أو مقابلات، وأنها تنوي إصدار كتاب يحوي على كل ما يخصّه، كما جاء في حوارها مع جريدة الأهرام قبل فترة قصيرة.

‏ ويتّضح أن العديد من جوانب حياة محفوظ ظلّت خارج دائرة الضوء، ويبقى إرث الكاتب الكبير تتجاذبه بعض الأهواء والمصالح، في حين أن جمهور القرّاء ينتظر بشغف أي حديث عن نجيب محفوظ ومذكراته وحياته وأسراره وهمومه ونوازعه وما كان يتطلّع إليه، سواء ما قاله في حياته المديدة (1911 – 2006)، أو ما كان يختلج في صدره وبثّه إلى بعض المقربين، أي ما كان يفكّر به.

‏تبقى حياة نجيب محفوظ ومذكراته شأنًا عامًا، خصوصًا وكان صاحب مشروع ثقافي وفكري وأدبي كبير ومتميّز، بل هو صاحب مدرسة واقعية اجتماعية في السرد الروائي، وقد انفتح في قراءاته الأولى على أعمال تشارلز ديكينز وأونوري دي بلزاك وليو تولستوي وفيودور دوستويفسكي وغيرهم، وقد حاول حسب رضوى عاشور توظيف بعض التقنيّات، التي تشرّب بها من قراءاته في سياقات جديدة، بحيث اتّخذت طابعًا إبداعيًا كاملًا جديدًا بروح مصرية شعبية ونكهة عربية.

ولعلّ تلك ميزة الكاتب المبدع الذي يتمثّل ما يقرأه ويستوعبه ويستفيد منه دون تقليده، ولكنه يمنحه روحًا جديدةً وملامح جديدة، ودائما ما نتأثّر بما نقرأ، ويبقى ذلك في المخزون الفكري والثقافي للكاتب، يوظفه بالطريقة المناسبة، بحيث يغدو جديدًا شكلًا ومضمونًا، سواء أكان نصًا ظاهرًا أم مستترًا، لكن القارئ يشعر أنه أمام نص أصيل، وأمام كاتب مبدع بكل ما للكلمة من معنى.

امتاز اسلوب محفوظ بالفلسفة التي درسها، وبالاقتضاب أي التكثيف، بمعنى القدرة على قول آراء وأفكار وتخيّلات كثيرة بجمل قصيرة ومعانٍ اتّسمت بالبساطة والعمق، وقد انحاز في جميعها إلى الإنسان وحقوقه على نحو شديد، راسمًا حياة المصريين على مدى قارب من 7 عقود من الزمن، شهدت فيها مصر والبلاد العربية تحوّلات كبرى، حاول تصويرها على نحو بارع بكلّ ما لها وما عليها.

وبالعودة للمذكرات فإنها تختلف عن اليوميات أو الذكريات، وإذا كان نجيب محفوظ قد اعتاد على تدوين يومياته كما أشرنا، مقتفيًا أثر المفكّر المصري طه حسين وكتابه “الأيام“، لكنه لم يدوّن مذكراته التي تحتاج إلى استرجاع الواقعة التاريخية، حيث لا يغدو الكاتب متفرجًا على الأحداث أو مدّونًا لحوادث أو مارًّا بمحطات سريعة دون توقف كاف، فهو متداخلٌ فيها من جهة استعادتها، بما تجسّده الملكات الفكرية والعقلية كالذاكرة والخيال واستنطاق الواقعة ومحاكمتها، و كذلك في قوّة الاستعادة النفسية لتقليب جوانب الذات، وإعادة قراءة مكنونات النفس وما استقرّ في الأعماق على نحو جديد، وربما شديد الحساسية وكثير التأمل.

أستطيع أن أقول إن نجيب محفوظ انتقل من كتابة الرواية التاريخية، التي تستلهم من التاريخ المصري الفرعوني، إلى كتابة الرواية الواقعية الاجتماعية التي دأب عليها، لكنه توقّف عن الكتابة بعد ثورة 23 تموز / يوليو 1952 ولغاية العام 1956، وهي فترة شعر فيها بنوع من تقليص مساحة حريّة التعبير، ليبدأ مرحلة الرمزية الفلسفية، في مسعى للزوغان من الرقابة، ثمّ ليحطّ ركابه في محطة التراث والتصوّف، ويقدّم نماذج سردية أكثر اختزالًا وتكثيفًا وتركيبًا.

وهكذا كان لكلّ مرحلة طابعها الخاص، وهو ما يُعيد إلى الأذهان عنوان مذكّرات غونتر غراس، الروائي الألماني “قشرة البصلة“، فما أن يقشّر طبقة حتى تظهر طبقة أخرى تحتها، وهكذا تتعاقب مراحل نجيب محفوظ، فبعد روايتَيه “رادوبيس” و”كفاح طيبة” (1943 – 1944)، وهما تمثّلان الروايات التاريخية، ينتقل إلى مرحلة جديدة تمثّل بناءً سرديًا يعتمد على شخصيات اجتماعية واقعية وأماكن معروفة، حيث كانت تتمركز معظم رواياته على “حي الجمالية” و”حي الحسين” و”الأزهر الشريف“.

‏وبعد ثلاثيته الشهيرةبين القصرين” و”قصر الشوق” و”السكرية” (1956 – 1957)، دخل عالم السينما كاتبًا لسيناريوهات مع المخرج صلاح أبو سيف، خصوصًا رواية “أولاد حارتنا” (1959)، وكان قد اتّجه إلى الكتابة الرمزية، وتُعدّ رواية الحرافيش ذروة عمله الإبداعي (1977).

‏لقد جعل محفوظ من الحارة المصرية رمزًا عالميًا، أما أسماء أبطاله فقد كانت تتردّد على الألسن، خصوصًا حين انتقل بعضها إلى “الفن السابع”، كما اتّخذ من المكان عناوين مثيرة لروايته مثل “خان الخليلي” و”زقاق المدق” و”بين القصرين” و”ثرثرة فوق النيل“.

والكتابة لدى محفوظ ليست إلهامًا فحسب، وإنما هي إرادة وصبر ومران وفعل تفاؤل، لأنها تؤكّد أن العالم رغم ما فيه من مآسي يمكن أن يكون أفضل ممّا هو عليه. ولهذه الأسباب يظلّ البحث عن سيرة ومسيرة نجيب محفوظ لا ينتهي، سواء نُشرت مذكراته أم لم تنشر، لأنّه يمثّل حالة سيسيوثقافية متفرّدة روت التاريخ الأنثروبولوجي المصري بواقعية وجمالية وألق على ما فيه من أحزان وآلام.

×
أخبار
الحرس الثوري يحذر من تغيير جغرافيا الحرب في حال هوجمت إيران: سندهش العالم حزب "روسيا الموحدة" يتصدر انتخابات الدوما..والشيوعي ثانيا تباطؤ عبور السفن لمضيق هرمز مع استمرار التوتر في الشرق الأوسط تركيا وحرب إيران: الهندسة العسكرية لردع مزدوج وتبلور «القطب الإقليمي الثالث» و س ج: إدارة ترامب ستفرض عقوبات على المحكمة الجنائية الدولية أ ف ب: تحالف سبعة تنظيمات مسلحة معارضة للإطاحة بالحكومة في إثيوبيا بعد الهزيمة التاريخية في انتخابات ولايات ألمانية..ميرتس يتعهد بالمضي قدماً في الإصلاحات "ذا نيويوركر" تسلط الضوء على "قطر غيت" وشبكات النفوذ في مكتب نتنياهو صحيفة سويسرية: خطة ألمانية قد تؤدي لترحيل نصف مليون سوري تقرير: سيناريو استخباراتي يُثير مخاوف دول الخليج وتركيا حال سقوط نظام إيران عبد العاطي لوفد المنظمات اليهودية الأمريكية: نرفض أية محاولات لتهجير الفلسطينيين وثيقة سرية: روسيا وإيران توسعان قنوات مالية وتجارية للالتفاف على العقوبات رئيس ورزاء قطر: إسرائيل تتصرف بتهور ولا تلتزم بتعهداتها وتواصل القتل ميلوني تعلن إجراءات جديدة في المدارس الإيطالية بينها حظر النقاب هرتسوغ كان يعرف ما الذي يفعله عندما أصدر عفوًا عن عزاريا قبل أقل من 40 يومًا من الانتخابات  وثائقي "نازا" يثير سجالاً حاداً داخل إسرائيل حول آليات الاستهداف والذكاء الاصطناعي في غزة استراتيجية واشنطن في الصومال: تأمين الممرات البحرية على حساب الاستقرار الوطني دراسة: الحرب في الخليج تكشف حدود البدائل وتدفع نحو "هندسة تعدد المسارات" التمويل القطري لجامعة كورنيل يصل لـ 3.38 مليار دولار بعد كشف عقود جديدة من الوساطة إلى هندسة الاستقرار: لماذا يتصدر السودان أولويات الرياض؟ ترامب يكشف عن اتفاق مع الحوثيين.. ويعلن انفتاحه على لقاء الرئيس الإيراني المونيتور: نتنياهو يسعى لتوظيف التهديد الحوثي لدفع التطبيع مع السعودية قبل الانتخابات المتطرف بن غفير يقتحم المسجد الأقصى بحماية قوات الاحتلال.. والأوقاف تستنكر دعوات لواشنطن لبناء "خريطة معمارية" لتتبع شبكات تمويل الإخوان المسلمين وحماس جيش الاحتلال يعدم شابا في جنين ويعتقل آخر في رام الله - فيديو وصور تقرير يكشف تضاربًا بين السجلات الداخلية والبيانات العامة لضحايا الجيش الأمريكي في حرب إيران السيسي خلال استقباله مدير المخابرات الأمريكية: نرفض أي اعتداءات على الدول العربية وندعم اتفاقاً شاملاً مع إيران الصحة: ارتفاع ضحايا حرب الإبادة على قطاع غزة إلى 73,910 شهيدا ألمانيا: انتخابات في ولايتين تهدد بإحداث صدمة جديدة لميرتس خانيونس: مستشفى الكويت الميداني يعلن التوقف عن العمل في جميع الأقسام باستثناء الطوارئ

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط